ابن قيم الجوزية

158

الطب النبوي

رأيت الذنوب تميت القلوب ، * وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ، * وخير لنفسك عصيانها فالهوى أكبر أدوائها ، ومخالفته أعظم أدويتها . والنفس في الأصل خلقت جاهلة ظالمة ، ( فهي ) ( 1 ) لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها ، وإنما فيه تلفها وعطبها . ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح . بل يضع ( 2 ) الداء موضع الدواء فتعتمده ، ويضع الدواء موضع الداء فتجتنبه ، فيتولد - من بين إيثارها للداء ، واجتنابها للدواء - أنواع من الأسقام والعلل التي تعيى الأطباء ، ويتعذر معها الشفاء . والمصيبة العظمى : أنها تركب ( 3 ) ذلك على القدر ، فتبرئ نفسها ، وتلوم ربها بلسان الحال دائما ، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان . وإذا وصل العليل إلى هذه الحال : فلا يطمع ( 4 ) في برئه ، إلا أن تتداركه رحمة من ربه : فيحييه حياة جديدة ، ويرزقه طريقة حميدة . فلهذا كان حديث ابن عباس في دعاء الكرب ، مشتملا على توحيد الإلهية والربوبية ، ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم . وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والاحسان والتجاوز ، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسفلى ، والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها . والربوبية التامة تستلزم توحيده ، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والاجلال والطاعة ، إلا له . وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له ، وسلب كل نقص وتمثيل عنه . وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه . فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده ، فيحصل له - من الابتهاج واللذة والسرور - ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم . وأنت تجد المريض : إذا ورد عليه

--> ( 1 ) الزيادة عن الزاد ( 2 ) كذا بالزاد . وفى الأصل : تضع . وهو تصحيف ( 3 ) كذا بالزاد : وفى الأصل : تركت . ولعله مصحف عنه ، فتأمل . ( 4 ) كذا بالزاد . وفى الأصل : يطمح . وهو تصحيف .